سورة الروم: الآية 31 - ۞ منيبين إليه واتقوه وأقيموا...

تفسير الآية 31, سورة الروم

۞ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

الترجمة الإنجليزية

Muneebeena ilayhi waittaqoohu waaqeemoo alssalata wala takoonoo mina almushrikeena

تفسير الآية 31

وكونوا راجعين إلى الله بالتوبة وإخلاص العمل له، واتقوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وأقيموا الصلاة تامة بأركانها وواجباتها وشروطها، ولا تكونوا من المشركين مع الله غيره في العبادة.

«منيبين» راجعين «إليه» تعالى فيما أمر به ونهى عنه حال من فاعل أقم وما أريد به؛ أي أقيموا «واتقوه» خافوه «وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين».

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمراضي اللّه تعالى.ويلزم من ذلك حمل البدن بمقتضى ما في القلب فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة فلذلك قال: وَاتَّقُوهُ فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات.وخص من المأمورات الصلاة لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى لقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فهذا إعانتها على التقوى.ثم قال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فهذا حثها على الإنابة. وخص من المنهيات أصلها والذي لا يقبل معه عمل وهو الشرك فقال: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لكون الشرك مضادا للإنابة التي روحها الإخلاص من كل وجه.

وقوله : ( منيبين إليه ) قال ابن زيد ، وابن جريج : أي راجعين إليه ، ( واتقوه ) أي : خافوه وراقبوه ، ( وأقيموا الصلاة ) وهي الطاعة العظيمة ، ( ولا تكونوا من المشركين ) أي : بل من الموحدين المخلصين له العبادة ، لا يريدون بها سواه .قال ابن جرير : [ حدثنا ابن حميد ] ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن يزيد بن أبي مريم قال : مر عمر رضي الله عنه ، بمعاذ بن جبل فقال : ما قوام هذه الأمة ؟ قال معاذ : ثلاث ، وهن [ من ] المنجيات : الإخلاص ، وهي الفطرة ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، والصلاة وهي الملة ، والطاعة وهي العصمة . فقال عمر : صدقت .حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة : أن عمر ، رضي الله عنه ، قال لمعاذ : ما قوام هذا الأمر ؟ فذكره نحوه .

ثم حرضهم- سبحانه- على الاستمرار في اتباع توجيهات هذا الدين القيم فقال:مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.قال القرطبي: وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أنه القطع. ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله- عز وجل- بالطاعة. والثاني: أن أصله الرجوع، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة، ولفظ مُنِيبِينَ منصوب على الحال والمعنى: أقيموا وجوهكم- أيها الناس- لخالقكم وحده، حالة كونكم راجعين إليه بالتوبة والطاعة، ومقبلين إليه بالاستغفار والعبادة، ومتقين له في كل أحوالكم، ومداومين على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع واطمئنان.وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ المبدلين لفطرة الله- تعالى- المتبعين لأهوائهم وشهواتهم.

( منيبين إليه ) أي : فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل معه فيها الأمة ، كما قال : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " ( الطلاق - 1 ) ( منيبين إليه ) أي : راجعين إليه بالتوبة مقبلين إليه بالطاعة ( واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين

قوله تعالى : منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركينقوله تعالى : منيبين إليه اختلف في معناه ، فقيل : راجعين إليه بالتوبة والإخلاص . وقال يحيى بن سلام والفراء : مقبلين إليه . وقال عبد الرحمن بن زيد : مطيعين له . وقيل تائبين إليه من الذنوب ; ومنه قول أبي قيس بن الأسلت :فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابواوالمعنى واحد ; فإن ناب وتاب وثاب وآب معناه الرجوع . قال الماوردي : وفي أصل الإنابة قولان : أحدهما : أن أصله القطع ; ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع ; فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة . الثاني : أصله الرجوع ; مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ; ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة . الجوهري : وأناب إلى الله أقبل وتاب . والنوبة واحدة النوب ، تقول : جاءت نوبتك ونيابتك ، وهم يتناوبون النوبة فيما بينهم في الماء وغيره . وانتصب على الحال . قال محمد بن يزيد : لأن معنى : أقم وجهك فأقيموا وجوهكم منيبين . وقال الفراء : المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين . وقيل : انتصب على القطع ; أي فأقم وجهك أنت وأمتك المنيبين إليه ; لأن الأمر له ، أمر لأمته ; فحسن أن يقول منيبين إليه ، وقد قال الله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء . واتقوه أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به . وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين بين أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص ; فلذلك قال : ولا تكونوا من المشركين وقد مضى هذا مبينا في النساء والكهف وغيرهما .

القول في تأويل قوله تعالى : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)يعني تعالى ذكره بقوله: (مُنِيِبِين إلَيْهِ) تائبين راجعين إلى الله مقبلين.كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (مُنِيبينَ إلَيْهِ) قال: المنيب إلى الله: المطيع لله، الذي أناب إلى طاعة الله وأمره، ورجع عن الأمور التي كان عليها قبل ذلك، كان القوم كفارا، فنزعوا ورجعوا إلى الإسلام.وتأويل الكلام: فأقم وجهك يا محمد للدين حنيفا، منيبين إليه، إلى الله، فالمنيبون حال من الكاف التي في وجهك.فإن قال قائل: وكيف يكون حالا منها، والكاف كناية عن واحد، والمنيبون صفة لجماعة؟ قيل: لأن الأمر من الكاف كناية اسمه من الله في هذا الموضع أمر منه له ولأمته، فكأنه قيل له: فأقم وجهك أنت وأمتك للدين حنيفا لله، منيبين إليه.وقوله: (واتَّقُوهُ) يقول جلّ ثناؤه: وخافوا الله وراقبوه، أن تفرّطوا في طاعته، وتركبوا معصيته (وَلا تَكُونَوا مِنَ المُشْرِكِينَ) يقول: ولا تكونوا من أهل الشرك بالله بتضييعكم فرائضه، وركوبكم معاصيه، وخلافكم الدين الذي دعاكم إليه.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مُنِيبِينَ } حال من ضمير { فَأقِمْ } [ الروم : 30 ] للإشارة إلى أن الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مراد منه نفسه والمؤمنون معه كما تقدم .والمنيب : الملازم للطاعة . ويظهر أن معنى أناب صار ذا نوبة ، أي ذا رجوع متكرر وأن الهمزة فيه للصيرورة ، والنوبة : حصة من عمل يتوزعه عدد من الناس وأصلها : فَعْلَة بصيغة المرة لأنها مرة من النَّوْب وهو قيام أحد مقام غيره ، ومنه النيابة ، ويقال : تناوبوا عمل كذا . وفي حديث عمر : «كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوماً وأنزل يوماً» الحديث ، فإطلاق المنيب على المطيع استعارة لتعهد الطاعة تعهداً متكرراً ، وجعلت تلك الاستعارة كناية عن مواصلة الطاعة وملازمتها قال تعالى : { إن إبراهيم لحليم أوّاه مُنيب } في سورة هود ( 75 ) . وفسّرت الإنابة أيضاً بالتوبة . وقد قيل : إن ناب مرادف تاب ، وهو المناسب لقوله في الآية الموالية { دعوا ربهم منيبين إليه } [ الروم : 33 ] . والأمر الذي في قوله { واتقوه وأقيموا الصلاة } مستعمل في طلب الدوام .و { الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً } هم المشركون لأنهم اتخذوا عدة آلهة . وإنما كررت { مِن } التبعيضية لاعتبار الذين فرقوا دينهم بدلاً من المشركين بدلاً مطابقاً أو بياناً ، فإظهار حرف الجر ثانية مع الاستغناء عنه بالبدلية تأكيد بإظهار العامل كما تقدم في قوله تعالى : { تكون لنا عيداً لأولنا وءاخرنا } [ المائدة : 114 ] وشأن البدل والبيان أن يجوز معهما إظهار العامل المقدر فيخرجان عن إعراب التوابع إلى الإعراب المستقل ويكونان في المعنى بدلاً أو بياناً ولهذا قال النحاة : إن البدل على نية تكرار العامل . وقال المحققون : إن البدل معرب بالعامل المقدر ، ومثله البيان وهما سيان .
الآية 31 - سورة الروم: (۞ منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين...)